نور الدين الإسماعيل، الشاعر والروائي السوري، هو أحد أبرز الأصوات الأدبية التي جسدت معاناة الشعب السوري وأحلامه في زمن الحرب والتغيير. بكتاباته المليئة بالعاطفة والتحدي، يأخذنا الإسماعيل في رحلة عبر عوالم الرواية والشعر، حيث تلتقي السلطة بالإنسان، والألم بالأمل. من خلال روايته "مخاتير المحصورة" التي تسلط الضوء على تحولات المجتمع الريفي تحت سلطة مستبدة، إلى قصائده التي تجسد واقع الثورة والنزوح، يثبت الإسماعيل أن الأدب لا يعكس فقط الحقيقة، بل يعيد تشكيلها. في هذا اللقاء، نغوص معًا في عالمه الأدبي الذي يعبر عن واقع السوريين وآمالهم في غدٍ أفضل.
وفي لقاءٍ حصري مع مجلة "زهرة السوسن"، تحدث الإسماعيل عن مسيرته الأدبية التي لا تزال تشعّ بالأمل والإبداع رغم الظروف القاسية التي مر بها الشعب السوري، من خلال روايته "مخاتير المحصورة"، التي تصوّر الواقع السوري في ظل حكم السلطة، إلى قصائده التي عكست آلام الثورة وتداعيات النزوح، يُظهر الإسماعيل نفسه ليس فقط ككاتب، بل كأداة فاعلة لنقل معاناة الناس ومشاعرهم. في هذا الحوار، يفتح الإسماعيل قلبه للحديث عن بداياته الشعرية، تطور روايته، وطموحاته الأدبية التي لا حدود لها.
الرواية: "مخاتير المحصورة"... ملامح السلطة في الريف السوري
تُعد رواية "مخاتير المحصورة" التي كتبها نور الدين الإسماعيل في عام 2014 واحدة من أبرز الأعمال الأدبية التي تتناول الحياة في الريف السوري خلال فترة الثمانينات والتسعينات. يصوّر الإسماعيل في هذه الرواية شخصية "المختار" الذي يترأس القرية بسلطة مدعومة من النظام الأمني، ويُجسد العلاقات السياسية الملتبسة التي كانت تسيطر على حياة الناس.
يقول الإسماعيل عن روايته: "المحصورة هي قرية افتراضية، لكن يمكن إسقاطها على أي مكان في سوريا، في تلك الحقبة، كان المختار شخصية مدعومة من السلطة، له قوة كبيرة في القرية، وكان يُحسن التقرب من رجال الأمن ويشارك في كتابة التقارير، مما يمنحه مكانة أعلى ويجعله يسود على أبناء قريته."
من خلال سرد الرواية، يتناول الإسماعيل كيف تحول المختار إلى رمز للسلطة القمعية التي فرضت نفسها على حياة الناس في الريف، حتى أن طموح الرجال في القرية كان يتركز في الحصول على هذا المنصب، ما أدى إلى منافسات حادة بين أهالي القرية بعد أن بدأت أخطاء المختار تتراكم.
وذكر الإسماعيل مقطع من الرواية : "دخل أبو دحام الباب الرئيس للفرع 646 بعد أن استقبله الحرس بحفاوة واتصل برئيس الفرع ليخبره بقدوم الضيف أبي دحام وهو ضيف دائم الزيارة معروف لدى الجميع هنا. عادت الذكريات به للمرة الأولى التي زار بها الفرع عندما كان في العشرين من العمر وهي الزيارة الأولى لفرع أمني. يومها ذهب عبد المطيع متطوعاً ليخبر رئيس الفرع أبا يعرب أن محمود السعفان اشترى بندقية كلاشينكوف ومخزنين وخمسين طلقة.
يومها وضع رجله الأولى في طريق العمل المخلص للأمن، فقد أرسل أبو يعرب دوريّة إلى المحصورة داهمت بيت محمود السعفان لتجد كل ما أخبر به عبد المطيع موجوداً هناك. وبالطبع بعد ذلك اليوم لم يرَ أحد من أهل المحصورة محمود وقيل إنه هرب من السجن إلى خارج البلاد".
الشعر... رحلة البداية والنضج في أحضان الثورة
أما عن الشعر، فيكشف الإسماعيل عن بداياته المتواضعة مع الكتابة. يتذكر قائلاً: "أول قصيدة كتبتها كنت في صف الثالث الابتدائي، ولم تكن أكثر من محاولة لتقليد قصيدة سمعتها بحضور جدي في التلفزيون ،كان جدي معلماً محباً للشعر، وكان يدعم محاولتي في الكتابة". ورغم أن بداياته كانت بسيطة، إلا أن الإسماعيل وجد في الشعر طريقًا له للتعبير عن نفسه، يقول: "كانت القصائد في البداية مجرد نظم، ولكن مع مرور الوقت، وبتشجيع من مدرس اللغة العربية عبد الله الحلاق، بدأت أتعلم بحور الشعر وأدق تفاصيله."
ويضيف: "القصيدة الأولى التي كتبتها بعد تعلم الأوزان كانت في مرحلة متقدمة من دراستي، وكانت عن الحب". لكن مع اندلاع الثورة السورية، تغيرت ملامح شعر الإسماعيل. لم يعد يقتصر على موضوعات الحب والوجدانيات، بل أصبح مرآة لواقع الثورة وجراح الناس في المخيمات. يقول: "كتبت العديد من القصائد السياسية التي تلامس معاناة السوريين في ظل الحرب، لكنني كنت دائمًا أبحث عن عنصر السخرية في النصوص، لأن الأدب الساخر يعطي النص روحًا ويجعل القارئ يتفاعل معه أكثر."
"بيضة رداد"... قصيدة ساخرة تلخص الواقع السوري
من أبرز القصائد التي كتبها الإسماعيل خلال هذه الفترة هي قصيدته الشهيرة "بيضة رداد". يتناول فيها بداية ظهور الفصائل المسلحة في سوريا، حيث يظهر تناحر بعض الفصائل، في ظل الثورة الحقيقة التي انتفض فيها السوريون ضد نظام الطاغية المستبد، فيقول إسماعيل:
"في الحارةِ فرِحَ الأولادْ
اذ باضَ السيدُ ردادْ
فحمينا خوفاً بيضتَه
قدّسناها
عظّمناها
و(طبشنا) زمناً نحميها
لنسلّمها للأحفادْ
ردادٌ كان بلا عهدٍ يجلدنا
صبحاً ومساءً يسجننا
لا يسأل عنا
يتغنى دوماً لا ينسى
ببطولاتٍ لم يصنعْها بالتاريخ وبالأمجادْ
فَقَسَتْ تلكَ البيضةُ صوصاً
مختالاً وكثير الريشِ صوصاً معتوهاً مجنوناً
وطويلَ القامةِ سفاحاً
لا يعرف إلا الأصفادْ
هبّت كلُّ الحارةِ يوماً
لتزيحَ الصوصَ وبيضَتَهُ
فالصوصُ يبيضُ كوالدهِ و
تقمّصَ فينا والدَهُ
يقتلُ
يسجنُ
يهدِمُ
لا يتركُ إلا الأنقاضْ
ذهبَ الصوصُ بعيداً عنا
فمضينا نبحثُ عن صوصٍ
منتوفٍ وقليلِ الريشِ
فانتشرَ البيضُ بساحتنا
يفقسُ كل صباحٍ صوص
ما أكثرهم!!
من أينَ أتيتمْ بالبيضِ؟
ما هذا الشعب البيّاض؟!"
الشعر والوجدانية في ظل الثورة والنزوح
وعندما سُئل عن تأثير الثورة والنزوح على شعره، قال الإسماعيل: "كنت أكتب كثيرًا في فترة الثورة، لكن الكثير من القصائد كانت تُعبّر عن الواقع السياسي والاجتماعي، ولم أكن قادرًا على الكتابة عن الحب أو الأشياء الوجدانية. كيف تكتب عن الغرام وأنت تشاهد الأطفال يقتلون وتعيش في المخيمات؟ كانت الكتابة جزءًا من مواجهة الألم.
"أدب السخرية... روح للكتابة"
وأضاف إسماعيل أنه يفضل الأدب الساخر لأنه يخلق تفاعلًا مع القارئ ويمنح الكتابة طابعًا إنسانيًا.
وشرح قائلاً: "الأدب الساخر يسمح للكاتب بأن يكون أكثر حرية في التعبير، ويعطي للقارئ فرصة للتأمل في قضايا خطيرة بطريقة لا تخلو من الطرافة. لذلك حاولت أن أكتب عن الواقع السوري في الثورة باستخدام هذا الأسلوب.
" الشعر كما هو... هوية وإبداع لا ينضب"
وعن مستقبله الأدبي، قال إسماعيل: "الشعر هو هويتي الأولى، والرواية أعتبرها مجرد مجال آخر أوسع للتعبير. لكن في النهاية، الكتابة هي مرآة للروح، وأنا دائمًا أبحث عن جديد فيها."
وأضاف: "طموحي هو أن أكون صوت الناس، أريد أن أكتب عن آلامهم ومعاناتهم وأن أفضح الحالات السلبية التي عاشها المجتمع السوري لسنوات طويلة.
القصيدة عن بيروت... رحلة إلى الحب والجمال
وفي نهاية اللقاء، تحدث إسماعيل عن قصيدته التي كتبها أثناء زيارته الأولى إلى بيروت، وعبّر فيها عن إعجابه بهذه المدينة الفاتنة، قائلاً:
بالحب يا بيروت
يكتحل الصباح بأبجديات الجمال
ويرخي سحره الوردي أغنية
تطرزها بنفسجة على خد الليالي
وفيك تعانق الشطآن أحلام الخزامى
وتنثرها ربيعاً طيب البسمات
يزهر أقحواناً بين أحداق الحقيقة والخيال
والبحر يا بيروت صاغ العشق فيك قصيدة
أمواجه تمتد كفي عاشق لينال من وهج الحبيبة جذوة
ويعود محمولا بأحلام الوصال
والليل يا بيروت فيك يبدد الظلمات صبح العاشقين
يضيء بحر الذكريات
يهزها
فتساقط العطر المعتق بين أنسام الشواطئ والجبال
يضوع قافية فينطق أغنيات
تشعل الأحلام أجوبة على شفة السؤال
الطموحات... رسالة للشباب السوري
ختامًا، أكد إسماعيل أن الأدب يبقى وسيلة للتعبير عن المأساة والواقع، ولكن يجب أن يكون حاملًا للأمل والطموح، و توجه إسماعيل بكلمة للشباب السوري: "ضع هدفك أمامك، واعمل بجد. إذا اجتهدت، ستصل. الكتابة ليست مجرد هواية، بل هي رسالة وواجب إنساني."
ملك محمود